"هل يُعقل أن يصدر هذا التشريع من الخالق الحكيم الرحيم؟"
كم شخص منّا مرّت عليه هكذا عبارة؟
شخصيآ وجدتّ أن موجة الإلحاد في عالمنا العربي تلعب على هذا الوتر بالذات، وتتخذ من تلك العبارة حجة ومبرر للإنسلاخ من الدين وتركه.
وفي هذا المقال سوف نقيّم تلك العبارة، وسنرى هل تقوم على حجة منطقية محكمة، أم أنها مجرّد إثارة للعاطفة؟
لاشكّ أن الناس بمختلف توجّهاتهم ومشاربهم، تعرف الأفعال الحسنة وتميّزها عن القبيحة، وهذا مما لايحتاجون فيه إلى دين يخبرهم بذلك، بل نرى أن البشرية جمعاء بمختلف أديانهم تتفق أن الإحسان للغير من دون مقابل لهو أمرٌ حسن يُشكر صاحبه، وأن من يعتدي على غيره مذمومٌ وفاعلٌ للقبيح.
لكن هذه الأفعال ليست على هذا النسق دائمآ، فسرعان مايواجه الإنسان على أرض الواقع بعض المواقف التي تجعله يترك الفعل الحسن من أجل أمر أحسن منه، وهو مايُعرف "بالتزاحمات".
مثلآ: اذا حرم الأب ابنه من من اللعب لفترة معينة من أجل الدراسة، فيكون الأب قد ترك الحسن (السماح باللعب) من أجل الأحسن (تحصيل العلم)
ثق عزيزي القارئ (وهنا أوجّه كلامي للذي يؤمن بوجود إله وأن هذا الإله أرسل محمدآ ص) أن معظم التساؤلات التي مرّت علينا في المقال السابق، كلها تندرج تحت التزاحمات
وقِس على ذلك باقي الأمثلة التي تُستخدم فيها لإثارة العواطف، فيُقال : كيف لدين إلهي لم يحرّم العبودية؟!
نعم، لاشكّ أن الأمر بتحرير العبيد تشريع حسن، لكن لماذا لايتمّ الإلتفات أن هذا الحسن قد يتزاحم مع أمر أحسن منه؟ كعدم الإخلال بالنظام الإجتماعي والإقتصادي والتسبب بأضرار جسيمة جرّاء تحرير العبيد دفعة واحدة؟
وهنا أنا لاأجزم أن هذه علة عدم التحريم، ولكني أجزم أن هناك مصلحة وأثر أحسن من عدم التحريم سواء على المدى البعيد او القريب وسواء على الفرد او المجتمع.
ماهو الدليل على وجود تلك المصلحة؟
الدليل على ذلك ، أننا اذا كنا نتكلم عن دين صادر من إله غني وحكيم (اكرر ان كلامي موجّه لمن آمن بذلك) وهذا الإله عالمٌ بالحسن والقبيح، ونحن نعلم أن القبيح لايصدر إلا من الجاهل أو المحتاج،كالظالم الذي لايظلم إلا لجلب منفعة لنفسه او دفع مضرة عنها أو لجهله بقبح هذا الفعل، فلايُتصور في حقّ الغني والحكيم فعلَ القبيح.
ولمّا كان العبث قبيحآ، ولايصح صدوره من الفاعل الحكيم الغني، فلايمكن لله ترك هذه الأوامر الحسنة عبثآ أو أن ينقض غرضه من إنزال الدين عن طريق ترك تشريع يوجب المفسدة، بل يجب أن تكون هناك مصلحة تعود للفرد أو للمجتمع وراء هذا الترك.
ولكن لماذا لانقتنع دائمآ بتلك الأجوبة كما اقتنعنا في مثال الأب؟
وذلك لسببين: إما لأننا نشك بصدور ذلك الأمر من الله فينبغي علينا مراجعة أدلة نبوة محمد ص، أو لأننا لانملك الإستعداد للتسليم لخالقنا والثقة بأوامره، فنتوهم أن علمنا يفوق علمه.
فلا نقتنع!
انتهى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق