الأحد، 3 سبتمبر 2017

مناقشة بعض الإعتراضات على برهان النظام

هذا المقال يُناقش مجموعة من التغريدات كُتبت من المغرّد المعروف ب"ديموقريطوس" والذي وجّه من خلالها عدة اعتراضات على برهان النظام، وحيث نرى عدم دقة هذه الاعتراضات ارتأينا أن نوجّه مجموعة من الملاحظات نهدف من خلالها توضيح ما التبس عليه المستشكل وبيان أن برهان النظام يظل صالحا لإثبات المطلوب.
وطريقة سرد المقال ستكون كالآتي: سوف أقرر الاعتراض واناقشه، ولا أحبّذ من القارئ التعويل على ما أعرضه من تلخيص للاعتراض وانما أطلب منه مراجعة التغريدات من مصدرها مباشرة، فلعلّها تكوِّن عنده صورة أوضح للاعتراض.
وينبغي الإشارة الى أن المقال لن يتعرض للبدهيات التي يقوم عليها هذا البرهان، لأننا نفرض أن صاحب الإشكال قد سلّم للبديهيات التي يقوم عليها البرهان، لأنه لا معنى للخوض في صحة البرهان من عدمه ونحن لا نسلم بأن لكل حادث سبب أو أن وراء النظام الحادث المعقد سبب عاقل، وحال من يفعل هذا كحال من يخوض في صحة نظرية جزئية تعتمد بشكل كبير على التجربة وهو لايرى صلاحية التجربة في تصحيح النظريات!
-الاعتراض:
تساءل المغرّد في مطلع تغريداته عن كيفية التفريق بين الأفعال المُصمَّمة والغير مُصمَّمة وضرَب بعض الأمثلة التي يقع النّاظِر لها في الاشتباه عادةً فلا يدري هل هي صادرة من أسباب طبيعية غير عاقلة أم من الإنسان العاقل (كالبلورات الثلجية وبعض الكهوف المنحوتة بفعل الرياح...الخ) وأضاف عليه تساؤل آخر عن كيفية تمييز التصميم الإلهي عن غيره من التصاميم ،والحال أننا لانعرف أي من التصاميم الإلهية للمقارنة بينها وبين تصميم الكون، وذكر في نهاية اعتراضه أن أفضل طريقة للتمييز هي بمعرفة الطريقة التي تكوّن بها هذا الشيء.
-مناقشة الاعتراض:
اولا نعني بالتصميم: هو الفعل الصادر من الفاعل العالِم أو العاقل الذي يكون قاصدا من فعله استهداف هيئة معينة يترتب عليها أثر مميز ورائها غير موجود في غيره.
ثانيا: من المهم في عند الخوض في القضية المتعلقة بالتصميم الالهي أن نضع أيدينا على مِلاك احتياج الفعل للفاعل العاقل، فبرأيي إذا حررنا هذه المسألة فسوف تزول الكثير من الإشكالات حول هذا البرهان وسوف نعرف بعدها سبب الصعوبة التي نواجهها في تمييز الأفعال الصادرة من العاقل عن غيرها.
عند التأمّل قليلآ في محاولة معرفة سبب حُكمنا على بعض الأفعال بأنها صادرة من عاقل، سنجد ان الفعل تجتمع فيه مجموعة من الأمور:
1-   مادة
2-   على هيئة معينة
3-   معقدة
4-   ذات غاية
5-   متفردة
6-   غير ضرورية

فالكلمات التي يقرأها المستشكل في هذه اللحظة لا يشكّ أنها صادرة من كاتب بالغ ولا يَحتمل أنها كُتبت من طفل عمره خمس سنوات! فما هو السبب ياترى؟
السبب هو أن هذه الكلمات مكوّنة من مادة (وهي الحبر او اللون الأسود)، وعلى هيئة معينة تختلف عن هيئات أخرى (كالرسم ونحوه)، ومعقدة (حيث انها تتألف من أحرف مختلفة يعطيها هذا التركيب)، وهذه الكلمات ذات غاية (وهي أن تكون مفهومة للقارئ المتحدث باللغة العربية)، وهي متفردة (بحيث لو وضعنا حرف مكان آخر فسوف يختلّ المعنى)، وغير ضرورية (بمعنى أن هيئة الحبر لا يجب بالضرورة أن تظهر بهذه الهيئة وانما تقبل أكثر من هيئة)
ونلاحظ اننا نعرف ان لهذه الكلمات غاية لأننا نعرف العربية ونستشعر ثمرة هذه الكلمات من خلال فهم معانيها مع ملاحظة نظمها وتعقيدها، بينما لن يعرف غير العربي ما إذا كان لهذه الكلمات غاية او لا لأنه لا يفهم العربية، وحتى لا يقال ان الغاية غير معروفة في الكون فإننا نطبق برهان النظام على الموارد التي تكون فيها الثمرة والاثر المترتب واضح لكل عاقل، كالخلية التي يترتب عليها حياة الكائن، مع ملاحظة نظمها وتعقيدها، ومن الشواهد على ذلك ما يذكره علماء الجينات ان ما يحتويه الجينوم البشري من معلومات معقدة تحتوي عليها كل خلية في جسم الانسان وهي على نسق رباعي ما يستغرق قراءة نصوصها بمعدل حرف لكل ثانية 31 سنة! وأن الأمراض الوراثية ناتجة عن خلل في الجينوم بعضها نتيجة لتغيّر بسيط كما لو أن حرفآ واحدآ تحرّك عن مكانه! أمثل هذا التعقيد يُشك صدوره من عاقل وعبارة واحدة مكتوبة بالعربية لا يشك صدورها من عاقل! حتى ولو قيل ان هذا نتاج تطور الخلية الحية عبر ملايين السنين، فان السؤال يبقى حول سر قدرة هذه الخلية على استبقاء كل التغيرات النافعة لها واستغلالها وتوريثها للأجيال اللاحقة عبر التكاثر وانتاج كل هذه الانواع في الكائنات الحية التي نراها نراها اليوم فضلآ عن المنقرضة منها، أليست هذه الفرضية من أجلى مصاديق الفعل المحكم والنظام المعقد المتفرد؟!
ولا يخفى على كل عاقل أن عند رؤيتنا أي مادة تجمع تلك الصفات فسوف نحكم بالبداهة أن وراءها عاقل، ويرفض العقل صدورها صدفةً واتفاقا، مرورا بالرسم والكتابة الى الساعه والسيارة، فتأمّل قليلآ وستجد أن كل هذه الأفعال تتصف بالصفات المذكورة أعلاه، وينبغي الإلتفات الى أننا لم نُخرج الفعل عن التفسيرات الطبيعية، فلعلّ الفرضيات المطروحة في محاولة تفسير نشوء الخلية الحية صحيحة فعلآ مثل (Abiogenesis او Panspermia )  التي تفرض أن الظروف في ذاك الوقت كانت مهيأة لظهور الخلية الحية، ولكننا نقول انه بحاظ تعقيد الخلية فإن الشروط التي تحتاجها مواد الخلية حتى تصل للهيئة المعقدة هذه كثيرة جدآ، وان اجتماع تلك الظروف -مع التسليم لصحة هذه الفرضية- لايخلو اما أن يكون عن قصد او من غير قصد، فاذا كانت من غير قصد، فهذه هي الصدفة التي يرفضها العقل ويستبعدها بحسب الاحتمال، واما اذا كان عن قصد، فهذا هو الأكثر قبولآ والأقرب للمنطق بحسب الاحتمال.  (إلا إذا كان المستشكل يشكّ بالبدهيات ويرى امكان صدور سيارة من علة غير عاقلة فلا كلام لنا معه في هذه الحالة، لأن كلامنا في صلاحية برهان النظام نفسه وليس في البدهيات التي يقوم عليها كما ذكرنا في بداية المقال...)
وأظن ان الآن أصبح واضح للقارئ أن الأمثلة التي أوردها المستشكل لا تصلح للتشكيك بالبرهان، لأنها لا تجمع كل الصفات المذكورة، فالكهوف والجبال المنحوتة في الطبيعة لا تحمل تعقيدا كبيرا كتعقيد جبال روشمور في امريكا التي نُحتت على شكل رؤساءها، بحيث لا يشك أي عاقل أنها من فِعل الانسان! ولا الكهوف كالمباني الهندسية المعقدة والمركبة من اجزاء متنوعة بطريقة فريدة بحيث لو تأثر أحد اجزاءها اختل وسقط المبنى.


أما بالنسبة للبلّورات الثلجية فإن صدورها من الطبيعة مُمكن، لأنها لا تملك صفة التفرّد من جانب وتحمل صفة الضرورة من جانب آخر، فاذا قلنا ان الغاية المترتبة من البلورات هو الجمال، فإن هذا الجمال لن يختل بسهولة عند تغيير جزء من اجزاءها بخلاف لوغيرنا جزء بسيط من الكلمة فسيؤدي ذلك لاختلال معناها، مما يعني ان الكلمة تحمل صفة التفرّد بدرجة أكبر من البلّورات كما هو واضح.
ومن جانب آخر فالبلورات تتشكل بهذا الشكل الهندسي لأن جزيئات الماء تتكون من ذرتي هيدروجين موجبة وذرة اكسجين سالبة، وكما نعلم ان الشحنات المختلفة تتجاذب، فتُحدِّد الشحنات بدورها اتجاه جزيئات الماء عند الالتقاء، بحيث يتشكل نمط هندسي معين، مما يعني أن جزيئات الماء سوف تتشكل بهذا الشكل بالضرورة كلما تعرضت لانخفاض درجات الحرارة بسبب خاصّيتها، ومثال آخر في هذا السياق هو برادة الحديد التي تتشكل بشكل منظّم وجميل حين نضعها على قطعة المغناطيس، والسبب أن المغناطيس يحمل خاصّية معينه تجعل مجاله متشكل بهذا الشكل، بحيث ما ان يُوضع عليه برادة الحديد فسوف يجذبها بهذا الشكل دائما، فنلاحظ أن الشرط واحد لتحقيق الغرض (وهو التقاء المغناطيس ببرادة الحديد)، بخلاف الأفعال التي نتحدث عنها ( كالساعه والسيارة...الخ) التي تحتاج مادتها لشروط كثيرة جدا حتى تؤدي الغرض المطلوب كما هو معلوم،  وذلك لان مادتها لا تحمل الخاصّية التي تجعلها تتشكل بهذا الشكل بسهولة وانما تحتاج لتدخّل عاقل لاستهداف الهيئة التي تؤدي الغرض منها وهي قليلة جدا في مقابل الهيئات الاخرى، لذلك كلما زاد اتقان الفعل وتعقيده (كسيارة مثلا) كشف لنا عن ذكاء فاعله اكثر وزاد يقيننا باستحالة صدوره من العلل الغير عاقلة لعجزها عن تجميع الشروط من غير قصد! فوجود بعض الافعال في الطبيعة يصعب التمييز فيها بين التصميم الذكي والتشكل الطبيعي لا يقدح في برهان النظام، لأننا لانطبق البرهان الا في الموارد التي يكون فيها الفعل متوقفا على شروط كثيرة (كالانفجار العظيم وظروف الكون والارض ونشأة الخلية الحية.. الخ) فمحاولة التشبيه بين نظم هذه الأفعال وبين نظم البلورات تشبيه غير دقيق على أقل تقدير للفارق الكبير في التعقيد والتفرد، ولا اعلم كيف ساوى المستشكل بين الفعلين مع وضوح الفارق!
والخلاصة: لا نحتاج معرفة طريقة تكوّن الشيء حتى نحكم ان وراءه صانع عاقل، بل يكفي معرفة خاصّية المادة ودرجة تعقيدها وغايتها المتفردة، فنحن نحكم على الأفعال بأنها صادرة من عاقل بمجرد معرفتنا بأنها حادثة منظمة ذات غاية معقدة ومتفردة وغير ضرورية، سواءً عرفنا كيف صارت ام لم نعرف، كما لو قرأنا أبيات شعرية لأول مرة ولا نعرف مصدرها فلن نشك أنها صدرت من شخصٍ عاقل، وكذلك لانشك ان الخلية الحية صدرت من عاقل بمجرد معرفتنا انها حادثة منظمة... الخ، وطالما انها اشتركت مع الابيات الشعرية بنفس الصفة فلماذا لا تشترك في الحكم؟ والقاعدة العقلية تقول ان الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم؟!
واخيرا يتوجه نفس السؤال لأنصار التصميم الطبيعي الذين يرفضون التصميم الالهي وهو: كيف ميّزتم التصميم الطبيعي من التصميم الالهي حتى حكمتم ان التصميم الكوني هو تصميم طبيعي غير إلهي؟ والحال انكم لا تعرفون أي من التصاميم الإلهية للمقارنة بينها وبين تصميم الكون! (إلا ان يقرون ان اشكالاتهم لا ترقى لنفي التصميم الالهي وانما هم متوقفون في الحكم، وهذا غاية ما يمكنهم قوله وقد تم ابطاله). 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق