الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

هل من حقّ الجميع الترويج لأفكاره؟

دائما ما نری أصحاب الفكر العلماني رافعين شعار حق الفرد في نشر الأفكار والمعتقدات في المجتمع دون مضايقة او حدود، وهو شعار جميل للوهلة الأولى بحيث يجعل الناس تتلقاه وتسانده. 
ولكن ان أردنا أن نحاكم هذا الشعار محاكمة منطقية بحيث نرى مدى صلاحيته والاعتماد عليه لتطبيقه على جميع الحالات في المجتمع، نسأل السؤال التالي: هل يقبل أصحاب الفكر العلماني نشر أفكار داعشية او نازية او غيرها من الأفكار التي قد يتأثر بها البعض فيؤدي ذلك لتهديد أمن المجتمع؟ الجواب الذي نسمعه عادة منهم هو النفي، ولكن لماذا؟
هنا، سوف يقول العلماني: نحن نسمح بنشر الأفكار والمعتقدات لكن بشرط ألا تسبب بالعنف الجسدي على فرد او بعض أفراد المجتمع. 
لذلك نلاحظ أن العلمانية هنا أضافت قيد على هذا الشعار فصار كالآتي: "من حق أي شخص نشر أفكاره بشرط ألا يتضرر أفراد المجتمع من هذه الأفكار".
فلو اتفقنا نحن وهم بهذه القاعدة الكلّية، فالسؤال الذي يأتي بعده مباشرة، من الذي يقيّم أن تلك الفكرة تسبب ضرر على المجتمع او لا تسبب؟ بمعنى لو كان هناك جماعة يؤمنون أن الترويج للفكر الإلحادي يؤدي لهلاك المجتمع، بحيث سوف يخسر المجتمع آخرته ويتضرر جرّاء ذلك، فهل هذا مبرر لمنع فكر الإلحاد؟
فحينها سوف يقول العلماني: ولكن لا يسلّم جميع الناس بوجود دار أخرى
فحينها نرجع للإشكال حول من يحدد ذلك إذا اختلف افراد المجتمع حول وجود دار أخرى؟ ونتيجة لهذا الخلاف يذهبمن يؤمن بوجود دار أخرى الى أن الفكر الإلحادي يسبب بهلاك المجتمع، وفي المقابل يذهب من لا يؤمن بوجود دار أخرى الى أن الفكر الإلحادي لا يسبب بهلاك المجتمع، فمن له الكلمة الحاسمة في السماح او منع نشر هذا الفكر؟
 قد يلجأ العلماني الى القول بضرورة الاحتكام الى رأي الأغلبية لتحديد مدى ضررية الفكرة المراد منعها، وبذلك يضاف قيد ثان للشعار فيصبح كالآتي: "من حق أي شخص نشر أفكاره بشرط ألا يتضرر أفراد المجتمع وبشرط ان يسمح غالبية المجتمع بنشر تلك الأفكار"! 
وبذلك ناقض العلماني مبادئه التي أطلقها أول مرة في بداية المقال! فوضع حدود ومضايقات على من يريد نشر فكره!  

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

تابع، لماذا لانقتنع!


"هل يُعقل أن يصدر هذا التشريع من الخالق الحكيم الرحيم؟"

كم شخص منّا مرّت عليه هكذا عبارة؟ 
شخصيآ وجدتّ أن موجة الإلحاد في عالمنا العربي تلعب على هذا الوتر بالذات، وتتخذ من تلك العبارة حجة ومبرر للإنسلاخ من الدين وتركه
وفي هذا المقال سوف نقيّم تلك العبارة، وسنرى هل تقوم على حجة منطقية محكمة، أم أنها مجرّد إثارة للعاطفة؟ 
لاشكّ أن الناس بمختلف توجّهاتهم ومشاربهم، تعرف الأفعال الحسنة وتميّزها عن القبيحة، وهذا مما لايحتاجون فيه إلى دين يخبرهم بذلك، بل نرى أن البشرية جمعاء بمختلف أديانهم تتفق أن الإحسان للغير من دون مقابل لهو أمرٌ حسن يُشكر صاحبه، وأن من يعتدي على غيره مذمومٌ وفاعلٌ للقبيح
لكن هذه الأفعال ليست على هذا النسق دائمآ، فسرعان مايواجه الإنسان على أرض الواقع بعض المواقف التي تجعله يترك الفعل الحسن من أجل أمر أحسن منه، وهو مايُعرف "بالتزاحمات". 
مثلآ: اذا حرم الأب ابنه من من اللعب لفترة معينة من أجل الدراسة، فيكون الأب قد ترك الحسن (السماح باللعب) من أجل الأحسن (تحصيل العلم)

ثق عزيزي القارئ (وهنا أوجّه كلامي للذي يؤمن بوجود إله وأن هذا الإله أرسل محمدآ ص) أن معظم التساؤلات التي مرّت علينا في المقال السابق، كلها تندرج تحت التزاحمات
وقِس على ذلك باقي الأمثلة التي تُستخدم فيها لإثارة العواطف، فيُقال : كيف لدين إلهي لم يحرّم العبودية؟
نعم، لاشكّ أن الأمر بتحرير العبيد تشريع حسن، لكن لماذا لايتمّ الإلتفات أن هذا الحسن قد يتزاحم مع أمر أحسن منه؟ كعدم الإخلال بالنظام الإجتماعي والإقتصادي والتسبب بأضرار جسيمة جرّاء تحرير العبيد دفعة واحدة؟
وهنا أنا لاأجزم أن هذه علة عدم التحريم، ولكني أجزم أن هناك مصلحة وأثر أحسن من عدم التحريم سواء على المدى البعيد او القريب وسواء على الفرد او المجتمع.

ماهو الدليل على وجود تلك المصلحة؟ 
الدليل على ذلك ، أننا اذا كنا نتكلم عن دين صادر من إله غني وحكيم (اكرر ان كلامي موجّه لمن آمن بذلك) وهذا الإله عالمٌ بالحسن والقبيح، ونحن نعلم أن القبيح لايصدر إلا من الجاهل أو المحتاج،كالظالم الذي لايظلم إلا لجلب منفعة لنفسه او دفع مضرة عنها أو لجهله بقبح هذا الفعل، فلايُتصور في حقّ الغني والحكيم فعلَ القبيح.
ولمّا كان العبث قبيحآ، ولايصح صدوره من الفاعل الحكيم الغني، فلايمكن لله ترك هذه الأوامر الحسنة عبثآ أو أن ينقض غرضه من إنزال الدين عن طريق ترك تشريع يوجب المفسدة، بل يجب أن تكون هناك مصلحة تعود للفرد أو للمجتمع وراء هذا الترك

ولكن لماذا لانقتنع دائمآ بتلك الأجوبة كما اقتنعنا في مثال الأب؟ 
وذلك لسببين: إما لأننا نشك بصدور ذلك الأمر من الله فينبغي علينا مراجعة أدلة نبوة محمد ص، أو لأننا لانملك الإستعداد للتسليم لخالقنا والثقة بأوامره، فنتوهم أن علمنا يفوق علمه.
 فلا نقتنع!
انتهى


الجمعة، 6 أكتوبر 2017

لماذا لانقتنع!

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا

لماذا لانقتنع؟ 
الدين هو تلك الأوامر الصادرة من الرحمن الرحيم العادل كلّي الخير والحكمة...
هذا مايعتقده المتدين على الأقل تجاه دينه، وهذه الفكرة هي التي تزرع التقديس تجاه الدين في نفس صاحبه.
المتدين يتلقى منذ صغره الفضائل التي يدعو إليها دينه من والديه ومجتمعه، فالدين يدعوه للصدق وينهاه عن الكذب، ويدعوه 
للإحسان وينهاه عن الإعتداء، فتنطبع في ذهنه تلك الصورة الوردية لدينه، فترى صاحب كل دين يتفاخر بدينه أمام الأديان الأخرى ويقارنه بها، فمنهم من يتفاخر بأن دينه يؤكد على التوحيد ومنهم من يتفاخر بأن دينه يؤكد على التسامح...وهكذا

ولكن بعد ان ترتسم تلك الصورة عند كلّ منّا، نجد أن تلك الصورة احيانا لاتنسجم مع بعض التشريعات الموجودة في الدين-وهنا أخص الحديث عن ديننا الإسلامي- والتي قد نراها تتصادم مع المبادئ التي رسخت في نفوسنا، في حين أننا نتوقع أن تكون الأوامر والتشريعات أحسن من ذلك

من منّا لم يتساءل عن سبب جعل شهادة المرأة نصف الرجل؟ او عن عدم مساواتها مع الرجل بالإرث في كل الحالات؟ او عن تحريم زواج المسلمة من غير المسلم والسماح للمسلم بذلك
من منّا لم يتساءل عن سبب فرض الجزية على أهل الكتاب في الدولة الإسلامية، أو عن الحكم بنجاسة المشرك، او عن عدم السماح للمشرك بممارسة طقوسه في العلن، او عن عدم تحريم العبودية
من منّا لم يتساءل عن سبب تشريع حد الردة؟ او عن سبب تشريع الجهاد الإبتدائي، او عن سبب وضع الحدود الصعبة كقطع اليد والرجم والجلد...الخ
هل هذا مانتوقعه من الدين العظيم المقدس الذي يدعو للخير والفضيلة؟ 

شخصيآ، وقفت على بعض الأجابات لكلّ تساؤل بين تلك التساؤلات، وعلى الأرجح أن القارئ قد مرّت عليه تلك الإجابات أيضآ، ويمكن ان البعض اقتنع بها ،والبعض لم يقتنع، والبعض اقتنع بدرجة من الدرجات على الأقل ولكنه لم يكتفي
وبالطبع لن أُجيب على كل تساؤل من تلك التساؤلات، ولكن سأحاول أن أعرض المفتاح الذي وجدتّه متضمن في جميع لتلك الإجابات التي مرّت عليّ، والذي أراه مهم جدّآ وينبغي أن نقف عنده ونتأمله.

وللحديث بقية...