دائما ما نری أصحاب الفكر العلماني رافعين شعار حق الفرد في نشر الأفكار والمعتقدات في المجتمع دون مضايقة او حدود، وهو شعار جميل للوهلة الأولى بحيث يجعل الناس تتلقاه وتسانده.
ولكن ان أردنا أن نحاكم هذا الشعار محاكمة منطقية بحيث نرى مدى صلاحيته والاعتماد عليه لتطبيقه على جميع الحالات في المجتمع، نسأل السؤال التالي: هل يقبل أصحاب الفكر العلماني نشر أفكار داعشية او نازية او غيرها من الأفكار التي قد يتأثر بها البعض فيؤدي ذلك لتهديد أمن المجتمع؟ الجواب الذي نسمعه عادة منهم هو النفي، ولكن لماذا؟
هنا، سوف يقول العلماني: نحن نسمح بنشر الأفكار والمعتقدات لكن بشرط ألا تسبب بالعنف الجسدي على فرد او بعض أفراد المجتمع.
لذلك نلاحظ أن العلمانية هنا أضافت قيد على هذا الشعار فصار كالآتي: "من حق أي شخص نشر أفكاره بشرط ألا يتضرر أفراد المجتمع من هذه الأفكار".
فلو اتفقنا نحن وهم بهذه القاعدة الكلّية، فالسؤال الذي يأتي بعده مباشرة، من الذي يقيّم أن تلك الفكرة تسبب ضرر على المجتمع او لا تسبب؟ بمعنى لو كان هناك جماعة يؤمنون أن الترويج للفكر الإلحادي يؤدي لهلاك المجتمع، بحيث سوف يخسر المجتمع آخرته ويتضرر جرّاء ذلك، فهل هذا مبرر لمنع فكر الإلحاد؟
فحينها سوف يقول العلماني: ولكن لا يسلّم جميع الناس بوجود دار أخرى.
فحينها نرجع للإشكال حول من يحدد ذلك إذا اختلف افراد المجتمع حول وجود دار أخرى؟ ونتيجة لهذا الخلاف يذهبمن يؤمن بوجود دار أخرى الى أن الفكر الإلحادي يسبب بهلاك المجتمع، وفي المقابل يذهب من لا يؤمن بوجود دار أخرى الى أن الفكر الإلحادي لا يسبب بهلاك المجتمع، فمن له الكلمة الحاسمة في السماح او منع نشر هذا الفكر؟
قد يلجأ العلماني الى القول بضرورة الاحتكام الى رأي الأغلبية لتحديد مدى ضررية الفكرة المراد منعها، وبذلك يضاف قيد ثان للشعار فيصبح كالآتي: "من حق أي شخص نشر أفكاره بشرط ألا يتضرر أفراد المجتمع وبشرط ان يسمح غالبية المجتمع بنشر تلك الأفكار"!